حسن الأمين
274
مستدركات أعيان الشيعة
ولما كانت قوة الجندرمة المحلية على قلة عددها قد قامت بواجبها أثناء مهاجمة الحدود . ولما كان لبنان بانفصاله سياسيا عن جارته سوريا وجبل الدروز يرغب في البقاء في عزلته وحياده التأمين . ويعتبر تصدي الخوارج لمهاجمة أطرافه تعديا على استقلاله وافتراء محضا على حريته ومصالحه فان هذا المجلس يقرر ما يلي : 1 - إن هذا المجلس يعتبر هجوم الثوار على حاصبيا ومرجعيون وراشيا تعديا على استقلال لبنان وحرية سكانه . 2 - يرفع هذا المجلس شكره بالنيابة عن البلاد إلى الدولة المنتدبة الكريمة لما قامت به حتى الساعة من التضحيات بالأرواح والأموال للذود عن حياض لبنان والعمل على سلامة سكانه وضمان استقلاله . 3 - يقدر مفاداة الجندرمة اللبنانية حق قدرها ويثني على ثباتها وشجاعتها . 4 - يؤكد هذا المجلس للدولة المنتدبة بقاء البلاد على ولائها لها ومحبتها التقليدية غير المتزعزعة . 5 - يطلب هذا المجلس من دولة الحاكم إبلاغ الدولة المنتدبة هذا القرار بالصورة الرسمية . الحليشة وصلنا إلى شقرا في مطالع الصيف ، وللصيف في القرى العاملية حياة شيقة حلوة . فمنذ تبدأ حقول ( القطانة ) بالاصفرار ، ثم تيبس تلك الأباطح المكسوة بنبات العدس والباقية والكرسنة . يبدأ في القرية موسم ( الحليشة ) ، وهو أول موسم من مواسم الحصاد ، ولكن هذا الحصاد لا يقتضي له مناجل ومقاطع ، ولا زنود قوية وسواعد فتية ، بل أن الأيدي الناعمة هي التي تتولى حصاد حقول ( القطانة ) وذلك لقصر سيقان العدس والباقية والكرسنة وضعف تكوينها وسهولة اقتلاعها . لهذا تتولى ( الحليشة ) فتيات القرية لا فتيانها ، وصباياها لا شبانها ، وقد يشارك بذلك عجائزها لا شيوخها ! . . فانى صعدت في الذروات ، وأنى صوبت في الوهدات ، وأنى أصغيت في الإسناد والأصواح والسفوح ، فإنك ستسمع أبدا أصوات الصبايا منطلقة بالأغاني القروية الجميلة ! . هاهنا تنطلق النفوس المكبوتة التي أضواها الحب فلم تستطع التعبير عنه في المجالس والندوات ، هاهنا تنطلق معبرة عنه تعبيرا شاعريا أخاذا ، هاهنا يتنوع الشعر فهو إما رمزي خجول يأخذ بالكنايات والتوريات أو صريح واضح ، ولكن صراحة مهذبة خجلى ! . . هاهنا تنطلق الأصوات باغانيها العاطفية على مداها الواسع لا تحدها الجدران ، ولا توقفها السدود ، بل أن لها في البر المديد ما تظل تدوي به ما شاء البر لها أن تدوي ! يا لروعة أيام ( الحليشة ) في القرية ، وقد اصفرت الحقول ، ويبست الزروع ، واستحالت البراري الواسعة من مروج خضراء ، إلى سهوب صفراء ، لتنطلق فيها الأيدي الناعمة باجتثاث سيقان العدس والباقية والكرسنة ، راكضة ركضا ومتلاحقة تلاحقا ومتوثبة توثبا ! . ويا لبهجة تلك الأرض ، وقد علت فيها أغاني الصبايا وصيحات الفتيات ، ويا لعظمة القروية العاملة ، وقد انقلبت من ناعمة مستكينة ، إلى جبارة صاخبة تدق بقدميها الأرض وتقتلع بيديها الزرع ، وهي في كل ذلك عاطفية شائقة مشوقة ! . . الأيدي الناعمة ! . لا ليست ناعمة تلك الأيدي التي تعمل في الحقل وفي الغابة وفي الكرم وعلى البيدر وفي التنور ! . . . إنها قاسية قسوة الحياة في هذه القرى ، إنها صلبة صلابة العيش في هذه الجبال ! . . ولكنني في حياتي كلها ما لمست يدا ، كانت في نفسي أرق من تلك اليد القاسية ، ولا احتويت كفا كان في وجداني أكثر نعومة من ذلك الكف الصلب ! . . ولا هفوت إلى حسن كان في عيني أروع من ذلك الحسن العامل المجهد المكدود ! . . ولا خفق قلبي بوجد كان أكثر إلهاما من الوجد بتينك العينين الشاردتين في مدى الحقول ، الهائمتين على ذروات الجبال وجنبات الأودية ! . . الحصيدة فإذا انطوت ( الحليشة ) وعادت حقول ( القطانة ) جرداء إلا من ( أغمار ) الزرع اليابس ، وصارت صامتة خرساء لا تسمع فيها إلا صوت الذكريات ! . فان حياة جديدة تنتظر جوانب أخرى من جوانب القرية ، وإن حقولا أخرى لا تزال خضراء يانعة تتهيأ أن تيبس وتصفر . وتكون سواعد الشبان وزنود الفتيان قد تهيأت وهيات مناجلها ، ثم لا تبرح أن تمضي مع تألق الفجر وتبلج النور وتراكم الندى إلى الحقول اليابسة الصفراء ممسكة بسيقان القمح اليابس المصفر ملء أيديها اليسرى ، معملة فيها بأيديها اليمنى مناجلها ، فإذا بالحياة تدب في ذاك الجماد وذاك النبات ! . وإذا بالأرض الصامتة الخرساء تنقلب إلى حركة عارمة وصيحات متعالية ومناجاة متتابعة وأفراح متضاحكة ! . إنه عرس الحقول يحييه هؤلاء الفتيان بسواعدهم القوية وأكفهم الشديدة وأجسامهم المديدة ! . إنه عرس الحقول يتعالى فيه الشدو وتنفجر الحماسة وتفور القوة وتتجلى الحياة على أشرف مثلها وأنبل أهدافها ! . . وهل أشرف من هذا العرق المتجمع حبيبات على هذه الجباه الشامخة والمتساقط ذرات على هذا التراب الطيب ! . وهل أنبل من هذه الأكف تجمع من الأرض غذاء أهل الأرض ! . الرجيدة وبعد ( الحليشة ) و ( الحصيدة ) تجمع الزروع المحصودة كتلا صغيرة تسمى كل كتلة منها ( الغمر ) ( بضم الغين وتسكين الميم ) وتترك إلى حين ، إلى الوقت الذي ينتهي فيه موسم الحصاد وتكون جميع الحقول مهيأة لنقل الزروع الحصيدة منها ، وعند ذلك يخرج الفلاحون مع إطلالة الفجر ، حيث يكون الندى متراكما فوق كتل الحصيد فتغدو به طرية لا تتساقط سنابلها بالتحريك ، فيعود التجميع من جديد تجميعا أكبر وتكتيلا أضخم ، وعند ذلك تسمى الكتلة اسما جديدا هو ( البندك ) ، فيجمع كل